الرئيسة/  مقالات وتحليلات

أم أن الرهان كان أن الخسارة البشرية، مهما عظمت، ستُستثمر سياسيًا؟

نشر بتاريخ: 2026-04-04 الساعة: 21:41

 

كتبت / Hala Hussein *

البلد لم تتدمر فقط لأن قوة عسكرية هائلة صبّت نارها عليها. هذا جزء من الحقيقة، وجزء مركزي لا يمكن إنكاره. لكن الحقيقة الكاملة أكثر إزعاجًا: البلد تدمّرت أيضًا لأن بنية الحكم فيها اختزلت المجتمع في وظيفة عسكرية، وحوّلت الجغرافيا المدنية إلى مسرح دائم للاشتباك.

منذ سنوات، بنت حماس شبكة أنفاق واسعة، وجرى تقديمها بوصفها “الذراع الاستراتيجية” التي توازن اختلال القوة مع إسرائيل. في الخطاب الداخلي، صارت الأنفاق رمزًا للعبقرية العسكرية، وللقدرة على مفاجأة العدو، ولتعويض الحصار. لكن السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي: ما موقع المجتمع من هذه الاستراتيجية؟ وأين يقف المدني في معادلة تُدار أساسًا بعقل أمني–عسكري؟
عندما تُقام بنية عسكرية تحت أحياء مكتظة، تحت بيوت ومساجد ومدارس ومستشفيات، فإن الأمر لا يعود مجرد خيار تكتيكي، بل يصبح خيارًا سياسيًا–أخلاقيًا. فالمساحة التي يُفترض أن تكون ملاذًا للمدنيين تتحول عمليًا إلى جزء من ساحة المعركة. وحتى لو كان الاحتلال هو من يضغط الزناد ويتحمل المسؤولية القانونية عن القصف واستهداف المدنيين، فإن السلطة الحاكمة تتحمل مسؤولية موازية: تقليل المخاطر، الفصل قدر الإمكان بين المقاتل والمدني، وبناء منظومة حماية حقيقية للناس.
المعضلة أن غزة لم تُدار ككيان مدني له أولويات حياة يومية، بل كمنطقة تماس دائمة. لم تُبنَ ملاجئ عامة واسعة النطاق، ولم تتطور خطط إخلاء شفافة، ولم يُفتح نقاش مجتمعي حول ثمن الخيارات العسكرية. صار الافتراض الضمني أن المجتمع بأكمله جزء من المعركة، وأن تحمّله للثمن أمر بديهي، بل واجب وطني.
هنا تكمن المشكلة البنيوية: اختزال الشعب في “حاضنة”، واختزال السياسة في سلاح. عندما تصبح الأنفاق بديلاً عن المشروع السياسي، وبديلًا عن الشراكة الوطنية، وبديلًا عن المحاسبة، فإن المجتمع يفقد موقعه كغاية، ويصبح وسيلة. والوسيلة في زمن الحرب قابلة للاستهلاك.
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن اختلال ميزان القوى الهائل مع إسرائيل، ولا عن عقيدة عسكرية إسرائيلية أثبتت استعدادًا لاستخدام قوة تدميرية واسعة النطاق في بيئات مدنية. لكن في المقابل، لا يمكن إعفاء البنية الحاكمة في غزة من سؤال المسؤولية: هل كان هناك تقدير واقعي لحجم الرد المتوقع؟ هل كانت هناك خطة لحماية السكان؟ أم أن الرهان كان أن الخسارة البشرية، مهما عظمت، ستُستثمر سياسيًا؟
إحدى أخطر نتائج هذه المقاربة أنها مزّقت العقد الاجتماعي. في أي نظام سليم، تتوزع المخاطر بعدالة، وتخضع القرارات المصيرية لحد أدنى من الشفافية والمساءلة. أما حين تختبئ القيادة في بنية محصّنة تحت الأرض، بينما يبقى المدني مكشوفًا فوقها، فإن الإحساس باللاعدالة يتضاعف، حتى لو كان بعض هذا التصور مبالغًا فيه. الشعور العام بأن حياة الناس لم تكن في مركز الحسابات هو بحد ذاته مؤشر خلل عميق.
إعادة الإعمار لن تكون فقط بإزالة الركام. إذا لم يُطرح السؤال الجذري: ما طبيعة العلاقة بين السلاح والمجتمع؟ بين القرار العسكري والإرادة الشعبية؟ فإن أي بناء مادي سيبقى هشًا. المطلوب ليس نزع السياسة من الصراع، بل إعادتها إلى مركزه. أن يعود المدني هو المرجعية، لا التفصيل. أن يُعاد تعريف “المقاومة” بحيث تكون أداة ضمن مشروع وطني جامع، لا مشروعًا قائمًا بذاته يبتلع كل ما حوله.
الرواية الأسهل تقول: بلد دُمّر بفعل عدو متفوق.
الرواية الأصعب تقول:
بلدٌ دُمّر لأن العدو امتلك فائض القوة… ولأن الداخل امتلك فائض الوهم، فأدار ضعفه بشعارات لا بحسابات، ودفع الناس ثمن الفارق بين الحقيقة والخطاب.
وما بين القوتين، كان الناس هم السقف الذي انهار

------

* منقول منصفحتها على الفيس بوك 

mat
Developed by: MONGID | Software House الحقوق محفوظة مفوضية الإعلام والثقافة © 2026