رسالة للجامعات ولوزارة التربية والتعليم
نشر بتاريخ: 2026-08-13 الساعة: 05:51
د. دلال صائب عريقات
يُقال كثيرًا إن السياسة للجميع وبعض الشعوب تمارسها بالفطرة. وربما ينطبق ذلك على الشعب الفلسطيني أكثر من غيره، فالفلسطيني يولد في قلب قضية سياسية تحررية، ويكبر وهو يختبر الاحتلال والاستيطان واللجوء والحروب والانقسام، حتى يصبح الحديث السياسي جزءًا من حياته اليومية.
لكن الوعي بالسياسة ليس بالضرورة ممارسةً للسياسة. فالفرق كبير بين أن يعيش الإنسان قضية، وبين أن يمتلك الأدوات العلمية لإدارتها. كل المهن التي نبني بها مجتمعاتنا تقوم على قاعدة واحدة: المعرفة. فلا أحد يقبل أن يعالجه طبيب لم يدرس الطب، أو أن يصمم منزله مهندس لم يتعلم الهندسة، أو أن يترافع عنه محامٍ لم يدرس القانون. حتى المهن والحرف التي تعتمد على الموهبة والخبرة تبدأ بالتعلم، وتتطور بالممارسة، وتستند إلى أصول علمية ومهنية.
فلماذا تبدو السياسة أحيانًا وكأنها الاستثناء الوحيد؟ لماذا لا نطالب بالحد الأدنى من المعرفة والتأهيل لمن يتولى مسؤولية اتخاذ القرار في القضايا التي تمس حاضر الناس ومستقبلهم؟
فالسياسة ليست مجرد معرفة بالعلوم الاجتماعية والتاريخ والقوانين والحقوق أو خطاب مؤثر، أو حضور إعلامي، أو انتماء حزبي، أو قبول اجتماعي، إنها كل ما سبق مجتمعا، إنها علم يدرس الدولة ومؤسساتها، والقانون، والعلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي، والتفاوض، وإدارة الأزمات، والتواصل الاستراتيجي، وصناعة القرار. وهي أيضًا ممارسة تتطلب قدرة على التحليل، واستيعابًا للتحولات الدولية، وقراءة دقيقة لموازين القوى. ولا يعني ذلك أن الشهادات الأكاديمية وحدها تصنع رجال الدولة، كما لا يعني أن الخبرة الميدانية وحدها تكفي. فالثقافة والتجربة تمنح الحكمة، والعلم يمنح الأدوات، ولا يمكن لأي مشروع وطني ناجح أن يستغني عن أحدهما.
في الحالة الفلسطينية، تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فنحن لا نواجه تحديًا سياسيًا عابرًا، بل نواجه مشروعًا استعماريًا يستخدم القانون والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والدبلوماسية والعلاقات الدولية لفرض الحقائق ولإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني. وفي المقابل، لا يمكن أن نكتفي بردود الفعل أو بالاجتهادات الفردية، بل نحتاج إلى قيادات تمتلك المعرفة بقدر ما تمتلك الإرادة، وتستند إلى التخطيط بقدر ما تستند إلى الانتماء, تعتمد القلم ولا تكتفي بالوعود الشفوية.
لقد أصبحت معركتنا تُخاض في المحاكم الدولية، وفي الجامعات، وفي مراكز الفكر، وفي الإعلام العالمي، وعلى منصات التواصل والمتاحف الفنية، كما تُخاض على الأرض. ولهذا، فإن بناء الكفاءات الوطنية لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل أصبح جزءًا من أدوات الصمود والدفاع عن الحقوق الوطنية.
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للعلوم السياسية والدبلوماسية يجب أن تكون جزءًا من مشروعنا الوطني لأن الأوطان تحتاج إلى مؤسسات تحترم التخصص، وتمنح الفرصة للكفاءة، وتؤمن بأن التعلم المستمر جزء من المسؤولية العامة.
لسنا بحاجة إلى المفاضلة بين الوطنية والكفاءة، ولا بين الانتماء والمعرفة ولا بين النضال والعلم. على العكس، فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى من يجمع بينهما. تحتاج إلى قائد يؤمن بقضيته التحررية، ويعرف كيف يدافع عنها, قائد مخلص محب متجذر في وطنه وهدفه خدمة مصالح شعبه بعيداً عن تحقيق ذاته من خلال المنصب والامتيازات, قائد يستمد الشرعية من الشعب وغبر صناديق الاقتراع، ويملك في الوقت نفسه مهارات تميزه وتقدمه الى الصفوف الامامية أدوات القرن ٢١، ولغات العالم، وفنون التفاوض، والقدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي والكاريزما.
إن احترام التخصص ليس دفاعًا عن فئة أو مهنة، بل هو دفاع عن حق شعبنا في أفضل قيادة ممكنة. فالمناصب العامة ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية، والمسؤولية تقتضي إعدادًا مستمرًا، وتواضعًا أمام المعرفة، وإيمانًا بأن التعلم لا يتوقف.
قد يبدو هذا الطرح مثاليًا، لكنه في الحقيقة ليس أكثر من دعوة لإعادة تعريف معايير النجاح في العمل العام. فالدول التي استطاعت أن تبني مؤسسات قوية لم تفعل ذلك بالصدفة، وإنما لأنها جعلت الكفاءة معيارًا، والعلم قيمة، والتطوير المستمر ثقافة.
ولعل فلسطين، وهي تمر بواحدة من أدق مراحل تاريخها، تحتاج أكثر من أي وقت مضى؛ للإيمان بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، وأن السياسة ليست مهنة من لا مهنة له، بل علمٌ ورسالةٌ ومسؤولية، تستحق أن يحملها من يجمع بين المعرفة والنزاهة والانتماء. رسالتي للجامعات ومؤسسات التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم أن تنظر للمسألة بجدية، هناك حجة جلية حول حاجة الواقع الفلسطيني لمتخصصين في العلوم السياسية والدبلوماسية يكونون على قدر من التفوق والتميز حتى يلتحقوا بهذا التخصص الذي من شانه ان يقرر مصير الشعب.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها ولا الفهلوية الارتجالية، وإنما بالعقول التي تفكر، والقيادات التي تتعلم، والإرادة التي تؤمن بأن مستقبل الشعوب يبدأ من جودة من يتخذ القرار باسمها.