القدس المحتلة بعد ثلاث سنوات من الحرب.. هدم وإخلاء قسري لصالح الاستيطان
نشر بتاريخ: 2026-10-06 الساعة: 21:57
ا
اعلام فتح/ من وفا- بلال غيث كسواني
تواجه مدينة القدس المحتلة مسارا متصاعدا وغير مسبوق من التحولات الميدانية والعمرانية والديمغرافية منذ بدء حرب الإبادة ضد شعبنا في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تحولت عمليات هدم المنازل والإخلاء القسري والتوسع الاستيطاني وتكثيف القيود على حركة المواطنين وحريتهم في العبادة إلى واقع يومي يمس تفاصيل الحياة المقدسية كافة، ويمتد إلى المدارس والمستشفيات والأسواق التجارية في البلدة القديمة وأحيائها المحيطة.
وتجلى هذا الواقع مؤخرا في بلدة الطور، عقب إقدام قوات الاحتلال برفقة الجرافات والآليات الثقيلة على هدم بناية سكنية مكونة من خمسة طوابق تضم عشر شقق سكنية، مما أدى إلى تحويلها خلال ساعات معدودة إلى ركام وتشريد نحو 70 مقدسيا، بينهم عشرات الأطفال الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى في العراء. وعادت إلى الأذهان مع وصول الجرافات كلمات أطلقتها إحدى ساكنات البناية، المواطنة ميسر أبو الحلاوة، قبل نحو خمس سنوات، حين كان قرار الهدم لا يزال مجرد تهديد يلاحق العائلات في المحاكم، إذ تساءلت: أين العدل؟ هذا ظلم كبير!
وكانت العائلات المقدسية في الطور قد خاضت معركة قانونية وإدارية طويلة لتثبيت حقها في البقاء على أرضها، بين تقديم طلبات الترخيص المستمرة، ومواجهة أوامر الهدم المتعاقبة، ودفع الغرامات المالية الباهظة، والتعامل مع الإجراءات القضائية المعقدة. وبعد سنوات من التأجيل والمحاولات المضنية للحصول على تراخيص بناء، انتهت هذه السلسلة من المساعي الأهلية صباح ذلك اليوم أمام جنازير الجرافات.
قصة بناية الطور لا تمثل حادثة منفصلة أو استثنائية في القدس المحتلة، بل تختصر مسارا متكاملا وأوسع شهدته المدينة على مدار ثلاث سنوات متواصلة، إذ تصاعدت وتيرة هدم المنازل، واتسعت نطاقات الإخلاء القسري لصالح الجمعيات الاستيطانية، وتسارعت خطط التهويد، وتشددت القيود على حركة المواطنين والوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، فيما طالت الآثار التدميرية قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد والحياة الاجتماعية اليومية للأهالي.
تصاعد الهدم في القدس المحتلة منذ السابع من أكتوبر
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهدت أحياء القدس المحتلة تصاعدا ملحوظا في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، والتي لم تعد تقتصر على غرف أو مبان منفردة، بل امتدت لتستهدف مباني سكنية كاملة تضم عشرات العائلات والأفراد، كما جرى في بلدة الطور وأحياء أخرى.
وتشير البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى توثيق هدم 215 منشأة فلسطينية في القدس المحتلة خلال عام 2024، كان من بينها 141 منشأة اضطر أصحابها إلى هدمها بأيديهم لتجنب الغرامات المالية الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال. واستمر هذا التصاعد خلال عام 2025 بتسجيل هدم 208 منشآت حتى العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، بينها 105 منازل مأهولة بالسكان، مما أسفر عن تهجير 503 فلسطينيين من منازلهم، بينهم 242 طفلا، فيما اضطر أصحاب 143 منشأة من تلك المنشآت إلى هدمها قسرا بأيديهم.
وفي عام 2026، سجل (أوتشا) هدم نحو 170 منشأة فلسطينية في القدس المحتلة حتى السابع من آب/أغسطس، وذلك بذريعة البناء دون ترخيص. وأكد أن المتوسط الشهري لعمليات الهدم في القدس المحتلة والمنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية منذ عام 2024 بات يعادل ضعفي المتوسط الشهري المسجل خلال السنوات الخمسة عشرة السابقة، مما يعكس تحولا في كثافة وتيرة الاستهداف العمراني.
وتظهر المعطيات الإحصائية الصادرة عن محافظة القدس نطاقا جغرافيا أوسع يشمل عمليات الهدم والتجريف في عموم المحافظة، حيث وثقت المحافظة 380 عملية هدم وتجريف خلال عام 2024، مقارنة بـ 337 عملية خلال عام 2023. وارتفع العدد الإجمالي للعمليات المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 إلى نحو 427 عملية.
وخلال الربع الثالث من عام 2026 وحده، وثقت طواقم المحافظة 139 عملية هدم وتجريف، كان بينها 35 عملية هدم ذاتي قسري ينفذها المواطنون بأيديهم تحت تهديد الغرامات، و96 عملية هدم نفذتها آليات الاحتلال بشكل مباشر، إضافة إلى ثماني عمليات تجريف للأراضي والمنشآت. وتكشف هذه الأرقام عن حجم المعاناة، إذ يقف خلف كل رقم منزل مهدوم عائلة فقدت مأواها، وأطفال أجبروا على ترك غرفهم وألعابهم، وسنوات من محاولات الترخيص والإجراءات القانونية التي تنتهي في غالب الأحيان بوصول جرافات الاحتلال.
الترخيص.. معضلة هيكلية وطريق مسدود
تقف قضية الحصول على تراخيص البناء في صلب معظم قرارات الهدم التي تصدرها سلطات الاحتلال في القدس المحتلة. فالمواطنون الفلسطينيون يتواجهون مع عوائق هيكلية تتجسد في النقص الحاد في المخططات الهيكلية المعتمدة للأحياء الفلسطينية، وضيق المساحات المخصصة للبناء السكني، والارتفاع الباهظ في تكاليف استصدار الرخص، مما يجعل الحصول على ترخيص قانوني أمرا شبه مستحيل في أغلب الحالات.
وتوضح معطيات المنظمات الحقوقية والإنسانية أن العديد من العائلات التي هدمت منازلها خاضت مسارات قضائية في المحاكم امتدت لسنوات طويلة بهدف تسوية أوضاعها أو الطعن في أوامر الهدم، لكن هذه المسارات تنتهي في أغلب الأحيان بالرفض وإصدار قرار نهائي بالهدم. وفي حالة بناية الطور، استمرت العائلات سنوات في محاولة تسوية أوضاع البناء ودفع المبالغ المالية والغرامات، حتى جرى تنفيذ قرار الهدم بشكل مفاجئ ليعيد رسم مشهد التهجير القسري.
البستان في سلوان.. حي كامل يواجه خطر الهدم والإزالة
في حي البستان ببلدة سلوان، الذي يكتسب أهمية لقربه المباشر من البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، تصاعدت عمليات الهدم والتهديد بالإزالة الجماعية خلال السنوات الثلاث الماضية.
ووفقا لبيانات منظمة (عير عميم) الإسرائيلية الحقوقية، فقد هدم 35 منزلا في حي البستان بين شباط/فبراير 2024 ونهاية عام 2025. وفي آذار/مارس 2026، أشارت المنظمة إلى أن الحصيلة الإجمالية للمنازل المهدومة في البستان خلال عامين بلغت 37 منزلا، وهي النسبة الأعلى المسجلة في تاريخ الحي. ويضم حي البستان نحو 115 منزلا يقطنها قرابة 1500 مقدسي، يواجهون جميعا خطر التهجير الجماعي في ظل المخطط الهادف إلى إزالة الحي كاملا لإقامة ما يسمى حديقة ذات طابع توراتي على أنقاض المنازل الفلسطينية.
وفي الثلاثين من آذار/مارس 2026، نفذت آليات الاحتلال هدم خمسة مبان سكنية في حي البستان، ما أسفر عن تهجير 18 مواطنا بينهم أطفال. وفي أيلول/سبتمبر 2026، أقدمت طواقم البلدية برفقة قوات الاحتلال على هدم مبنى سكني آخر في الحي، مما أدى إلى تشريد أسرتين تضمان عشرة أفراد، ليتحول خطر الهدم في البستان من حالة استهداف للمنازل الفردية إلى تهديد وجودي يمس مستقبل حي بالكامل.
الإخلاء القسري.. سيف قضائي لصالح الجمعيات الاستيطانية
ولا تقف أدوات التضييق على المواطنين عند حدود هدم المباني، بل تتجاوز ذلك إلى سياسة الإخلاء القسري للعائلات الفلسطينية من منازلها عبر المحاكم، لصالح الجمعيات والمنظمات الاستيطانية التي تسعى لتوسيع البؤر الاستيطانية داخل الأحياء المقدسية.
ففي حي بطن الهوى ببلدة سلوان، شهد الأسبوع الأخير من آذار/مارس 2026 إخلاء 15 أسرة فلسطينية تضم 70 شخصا، بينهم 29 طفلا، من منازلها وممتلكاتها، وتسليم العقارات لمنظمة (عطيرت كوهانيم) الاستيطانية، وفق ما وثقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وتندرج هذه العائلات ضمن عشرات الأسر التي تلاحقها المنظمة الاستيطانية بقضايا إخلاء أمام المحاكم.
وبحلول نهاية آب/أغسطس 2026، ارتفع عدد الأسر الفلسطينية التي أخليت قسرا من منازلها في القدس المحتلة منذ بداية العام إلى 24 أسرة، تضم 93 شخصا، بينهم 30 طفلا، تتركز غالبيتها العظمى في بلدة سلوان. وفي المقابل، لا تزال نحو 200 أسرة فلسطينية تضم قرابة 900 شخص مهددة بالإخلاء القسري والتشريد بسبب قضايا إخلاء لا تزال منظورة في المحاكم رفعتها جمعيات استيطانية.
ولم تسلم البلدة القديمة من هذه القرارات، ففي تموز/يوليو 2026، أجبرت خمس أسر فلسطينية تضم ثمانية أفراد على إخلاء مبنى سكني مكون من ست شقق في البلدة القديمة، تقيم فيه العائلات منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لتسيطر عليه مجموعات استيطانية مرتبطة بمنظمة (عطيرت كوهانيم). وجاء هذا القرار في ختام مسار قضائي بدأ بدعوى رفعها ما يسمى (الحارس العام) الإسرائيلي عام 2018، وانتهى بتهجير السكان الفلسطينيين الأصليين ونقل السيطرة على العقار.
المسجد الأقصى المبارك.. تصاعد الاقتحامات ومحاولات فرض واقع جديد
وفي قلب المدينة المقدسة، كان المسجد الأقصى المبارك أحد العناوين الرئيسية للتصعيد الميداني والديني. إذ سجلت محافظة القدس اقتحام 188,097 مستعمرا للمسجد الأقصى خلال السنوات الثلاث الماضية. وتوزعت الأعداد بواقع 60,792 مستعمرا عام 2024، و73,871 مستعمرا عام 2025 بزيادة بلغت نحو 21.5%، فيما بلغ عدد المقتحمين 53,434 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. وتجاوز عدد المقتحمين في الربع الثالث من عام 2026 نظيره في الفترة نفسها من عام 2025 بنسبة 45%.
ولم يتوقف التصعيد عند حدود زيادة الأعداد، بل تعدى ذلك إلى نوعية الانتهاكات داخل ساحات الأقصى، لا سيما في المنطقة الشرقية منه. فقد شهد عام 2026 تكرار أداء الصلوات الجماعية، والسجود الملحمي، والنفخ في "الشوفار"، وإدخال الكتب والأدوات والقرابين النباتية، بمشاركة وزارية وأعضاء "كنيست" وقيادات في جماعات "الهيكل"، وتحت حراسة مشددة من شرطة الاحتلال. ووثقت دائرة الأوقاف الإسلامية خلال الربع الثالث من عام 2026 وحده اقتحام 27,830 مستعمرا، إلى جانب اقتحام 13,113 مستعمرا تحت مسمى مسارات السياحة.
وترافقت هذه الاقتحامات مع فرض قيود مشددة على دخول المصلين الفلسطينيين وسكان الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى. ففي شهر رمضان من عام 2023، تمكن نحو 388 ألف مصل من الضفة الغربية من الوصول إلى القدس، بينما انخفض هذا الرقم إلى نحو 35 ألف مصل فقط في رمضان 2024، وأكثر من 44 ألفا في رمضان 2025، جراء إلغاء التصاريح وإقامة الحواجز العسكرية التي تحول دون وصول المواطنين لأداء الشعائر الدينية.
الحواجز العسكرية وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحولت الحواجز العسكرية والعوائق الإسفلتية حول القدس المحتلة إلى وسيلة ثابتة لتقطيع أوصال المدينة وعزلها عن امتدادها في الضفة الغربية، إضافة إلى تقييد حركة المواطنين بين الأحياء المقدسية ذاتها.
وأصبحت الأحياء الواقعة خلف الجدار، مثل كفر عقب ومخيم شعفاط، تعاني صعوبات يومية مريرة للوصول إلى مركز المدينة، حيث تتسبب الازدحامات الناتجة عن إغلاق الحواجز وإجراءات التفتيش في تعطيل العمال والطلبة والمرضى، وفرض مسارات طويلة ومعقدة للتنقل.
وأشارت أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة (أوتشا) إلى أن عدد عوائق الحركة الدائمة والمؤقتة في الضفة الغربية والقدس المحتلة ارتفع إلى 925 عائقا حتى كانون الأول/ديسمبر 2026، بزيادة قدرها 43% مقارنة بالمتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين. وتشمل هذه العوائق الحواجز المأهولة، والبوابات الحديدية، والسواتر الترابية، والمكعبات الإسمنتية التي تقيد حرية الحركة اليومية.
التعليم والصحة.. استهداف القطاعات الخدمية الأساسية
امتدت آثار الحرب وتدابير السيطرة إلى قطاعي التعليم والصحة في القدس المحتلة، عبر محاولات فرض التغيير الهيكلي في المناهج، وتضييق الخناق على المؤسسات التعليمية والصحية.
ففي قطاع التعليم، صعدت سلطات الاحتلال جهودها لفرض المنهاج الإسرائيلي أو المناهج المعدلة على المدارس الفلسطينية، واستبدال أجزاء واسعة من الكتب الدراسية الفلسطينية، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي والمحتوى التعليمي للطلبة. وفي عام 2026، أغلقت ست مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس المحتلة، مما حرم نحو 800 طالب من مقاعدهم الدراسية، إلى جانب إغلاق معهد قلنديا للتدريب المهني التابع للوكالة، والاستيلاء عليه.
وخلال النصف الأول من عام 2026، وثق فريق التعليم التابع للأمم المتحدة 224 حادثة أثرت سلبا في العملية التعليمية في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، وطالت 152 مدرسة ونحو 20,450 طالبا و859 معلما. وبحلول أيلول/سبتمبر، كانت 84 مدرسة لا تزال تحت تهديد قرارات الهدم أو وقف الأعمال، مما يهدد الاستقرار التعليمي لـ 12,855 طالبا و1,076 معلما.
وفي القطاع الصحي، فرضت سلطات الاحتلال قيودا مشددة على إصدار التصاريح للمرضى ومرافقيهم الراغبين بالوصول إلى مستشفيات القدس المحتلة المتخصصة. ووفق منظمة الصحة العالمية، وافقت سلطات الاحتلال خلال النصف الأول من عام 2026 على 78% فقط من أصل 51,444 طلب تصريح قدمت لمرضى من الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما لم يحصل أكثر من 11 ألف طلب على الموافقة في الوقت المحدد، سواء عبر الرفض المباشر أو المماطلة التي تتجاوز مواعيد الفحوصات والعلاج الطبي.
الشلل الاقتصادي وتغيير معالم الأسواق في البلدة القديمة
تعرضت الحركة الاقتصادية والتجارية في البلدة القديمة بالقدس المحتلة لانتكاسة حادة وشلل شبه كامل خلال السنوات الثلاث الماضية. وأظهرت دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنساني والإنمائي أن نحو 90% من أصحاب المحال التجارية في البلدة القديمة يعتمدون بشكل مباشر على الحركة السياحية والمصلين، وأدى إغلاق المدينة عقب تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى إغلاق نحو 90% من المحال التجارية، مما أثر في الظروف المعيشية لأكثر من 500 عائلة مقدسية.
وبحلول آذار/مارس 2025، أكدت الغرفة التجارية في القدس أن 9% فقط من المحال التجارية في البلدة القديمة كانت تعمل بصورة طبيعية، في دلالة على حجم الركود التجاري المستمر. وترافق هذا التراجع مع إغلاقات متكررة للأسواق وأبواب البلدة القديمة خلال الأعياد والمناسبات، وفرض حواجز وممرات تفتيش ضيقة تؤدي إلى تنفير المصلين والمتسوقين.
وفي الوقت ذاته، كثفت بلدية الاحتلال حملاتها ضد الباعة المتجولين والبسطات في محيط باب العامود والأسواق التاريخية، مع مصادرة البضائع وإزالة الأكشاك التجارية. ورافق ذلك خطوات ملموسة لتغيير الفضاء البصري والهوية التاريخية للمدينة عبر نشر اللافتات باللغة العبرية وتثبيت المنشآت والبوابات الحديدية في المداخل الرئيسية.
مشهد متكامل لإعادة تشكيل الواقع المقدسي
تظهر القراءة الشاملة للمعطيات الميدانية على مدار ثلاث سنوات أن ما تجري مواجهته في القدس المحتلة لا يمثل إجراءات منفصلة، بل يعبر عن سياسة متكاملة تتقاطع فيها عمليات هدم المنازل مع قرارات الإخلاء القسري، وتمدد المخططات الاستيطانية، وفرض القيود الاقتصادية والتعليمية والصحية، والحد من حرية العبادة في المسجد الأقصى المبارك.
وفي بلدة الطور، حيث تحولت بناية عائلة أبو الحلاوة والعائلات الأخرى إلى ركام، يبقى المشهد شاهدا على هذه التحولات المتسارعة، إذ تحولت التهديدات والتخوفات التي عاشها الأهالي لسنوات طويلة إلى واقع ملموس خسروا فيه مساكنهم وأثاثهم وذكرياتهم. ويمتد هذا التحدي اليوم إلى عموم الأحياء المقدسية في سلوان والبستان وبطن الهوى والبلدة القديمة، حيث يواصل الفلسطينيون صمودهم وبقاءهم في مدينتهم في مواجهة محاولات تغيير معالمها التاريخية والديمغرافية.
ــ