الرئيسة/  مقالات وتحليلات

اتفاق اعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي

نشر بتاريخ: 2025-12-21 الساعة: 23:49

 محمد موسى مناصرة

لو كان اتفاق اعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (أمَة - جارية مملوكة) بحسب تصنيف الإسلام للنساء،، لحبلت وتَكوَّر بطنها وولدت (32) مرة، منذ جرى التوقيع على الاتفاق عام 1993، لكثرة ما قال جنرالات الكلام وهم يلطموننا بالهراء ضد اتفاق أوسلو والسلطة الفلسطينية. وللدرجة شوهوا وعي شعبنا، وزوَّروا إرادته ودفعه للاعتقاد بأن كل ما جرى ويجري في الأراضي المحتلة على كلّ الصُّعد مصائب لا حصر لها، لم يتسبب بها احتلال إسرائيل وسياساته الفاشية تجاه شعبنا، ولا الأخطاء الكبيرة التي قُدِّمت هدايا ثمينة للمحتلين، بل المسئول عن كل ما طالنا من قهر وظلم هو اتفاق اعلان المبادئ - أوسلو! 
ان خصوم الاتفاق والسلطة الفلسطينية انفسهم، هم من وقفوا طوابير أمام مكتب المرحوم الرئيس عرفات للانتفاع من كعكة اتفاق أوسلو وقدموا له قوائم بأسماء اشخاص في تنظيماتهم للحصول لهم على رتب عسكرية او وظائف معتبرة في مؤسسات وهيئات الحكم الذاتي الدولتية، ولاحقا صوتهم ملأ الفضاء الفلسطيني ضدَّ اتفاق اوسلو والسلطة، تغاضوا عن أن لحم اكتافهم من منافع الاتفاق والسلطة. مثالا الجبهة الشعبية، وحماس، والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير وحزب الشعب فرع قطاع غزة، وكثرة من تنظيم فتح نفسه، اغتنوا ووظفوا أقاربهم، ولا مشغلة لهم الا قول أقبح الكلام ضد أوسلو وضد السلطة الفلسطينية.
حدث هذا وبعضهم انشق عن تنظيمه أو حزبه لان جماعته رفضوا ترشيحه وزيرا في السلطة، وبعضهم رشَّحوا انفسهم لمناصب رفيعة في الانتخابات التي جرت للمجلس التشريعي او لمنصب الرئاسة وهم يعلمون ان ما عليهم فعله إنفاذ استحقاقات اتفاق أوسلو! نعم، رأوا في اتفاق أوسلو رائعا طالما حظوا بالمنافع، واتفاق خياني عندما فشلت مساعيهم كمستوزرين وكان هذا حال حماس ايضا. 
وعليَّ لفت الانتباه هنا لبعض الأحداث الهامة قبل تناول اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) لنرى الاحداث من زاوية تاريخيتها وزمانيتها وتطورها، المنهج المضمون لمعرفة الحقيقة:
1- قبل التوقيع على اتفاق أوسلو، أعداء منظمة التحرير وأعداء العملية السياسية اجتمعوا في دمشق خلال جولات المفاوضات واشنطن أيلول 1992 برئاسة المرحوم حيدر عبد الشافي، وأعلنوا عن قيام ائتلاف ضم عشرة منظمات لإفشال العملية السياسية التي ابتدأت بمؤتمر مدريد، فما الذي ناقشوه واتفقوا عليه حركة حماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية ومنظمات أخرى برعاية المقبور حافظ الأسد:
- الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية اقترحتا العمل على إزاحة ياسر عرفات المنحرف وطنيا عن قيادة المنظمة مع الإبقاء على منظمة التحرير والمهم لديهما افشال العملية السياسية وألحّتا على تسمية قيادة جديدة مؤقّتة للمنظمة.
- أما حركة حماس والجهاد الإسلامي اقترحا بناء تحالف إسلامي يضاف اليه قيادات وطنية مستقلة توافق على افشال المفاوضات مع إسرائيل، وتناط بهذا التحالف الإسلامي تحضير ما يلزم ليكون الائتلاف بديلا عن منظمة التحرير وسحب شرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني، وأيدهما في ذلك المنظمات غير العضوة في المنظمة وعلى راسها جماعة احمد جبريل الأدوات في يد حافظ الأسد.
لا اعرف كيف يكون عصياً على النخب الثقافية والسياسية أن ترى وتدرك القاسم المشترك بين قيادات حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية من جهة وحزب الليكود وكامل قوى اليمين الفاشي القومي والديني في إسرائيل من جهة ثانية ، التوافق والتماثل في هدف افشال العملية السياسية وتحطيم أي جسور تقود للدولة الفلسطينية، والالتقاء على محاربة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الحرب على القيادة الفلسطينية. واليوم قيادات حماس تعترف امام الرأي العام صوت وصورة بأنهم من سهَّلوا وساعدوا بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في الفوز على منافسه شمعون بيريز في انتخابات 1995 المعادي تاريخيا للعملية السياسية التي بدأت بمدريد وضد اتفاقية "أوسلو" بالعمليات الانتحارية.
انهم ممثلو نفس المنظمات من التقوا مؤخرا في القاهرة 23-24/10/2025 وانضمَّ اليهم تنظيم المبادرة ليصبح عددهم 11 تنظيم، جندوا كل ما لديهم من إمكانات وقدرات أو لدى من يعملون لديهم بالإيجار ويمولونهم للتشهير بالقيادة الفلسطينية وبمنظمة التحرير وفي الذاكرة اتهام حركة حماس لياسر عرفات بالخيانة الوطنية الكبرى. 
2- بمتابعة من يحسبون أنفسهم على الثقافة والفكر تجدونهم يستخدمون المعنى نفسه للمفاهيم "السلطة"، "الدولة" و "النظام"، وكأنها مفاهيم من نفس النوع، الامر الذي أسهم في تقديم ثقافة مشوهة لأجيالنا الجديدة، وهذا الخلط بين هذه المفاهيم استخدمته قوى اليمين الفاشي الفلسطيني القومي والديني لتزوير إرادة الأجيال الجديدة وتشويه وعيها ودفعها لمعاداة أهدافها الوطنية! لتعادي وتحارب نفسها! فتخيلوا جيل يحارب أهدافه، يعادي نفسه! فأي مصير بانتظاره؟! 
ان اية سلطة هي الجهة التي تستحوذ على النفوذ والقوة، وفي حالات كالمغرب مثالا عائلة محمد السادس بن الحسن هي السلطة، وفي السعودية عائلة آل سعود، وفي الكويت عائلة آل صباح، وفي الأردن العائلة الهاشمية، وفي سورية منذ العام 1970 العائلة الاسدية وفي دول وامارات الخليج السُّلَطْ هي عائلات متعددة، وفي قطاع غزة السلطة هي حركة حماس وفي الضفة الغربية السلطة هي حركة فتح، وهناك حالات تكون السلطة ممثلة في حزب او مجموعة عسكرية وهكذا، وفي دول ديمقراطية يحدث تدوير للسُّلَط بتأثير الانتخابات. أما الدولة فهي الهيئات والمكونات والمنظمات والمؤسسات والهياكل التي تعنى بشئون الشعب وتقديم الخدمات له كالزراعة والصحة والتعليم والشئون الاجتماعية والتجارة والاقتصاد وغير ذلك. مجموع هذه الهيئات الدولتية والعلاقات المتبادلة بينها او تربطها بالشعب هي الدولة.
فالسلطة، اية سلطة هي الجهة التي استحوذت على النفوذ والقوة (مال وسلاح) وهي صاحبة القرار والحسم في اختيار وتقرير نمط النظام الإداري والاقتصادي والسياسي الذي سينظم العلاقة بين الهيئات الدولتية مع المواطنين، أو بين الهيئات الدولتية والسلطة، سواء أكان نظام ليبرالي، ديمقراطي، رأسمالي، دكتاتوري، عائلي، عادل، أو ظالم... الخ 
ما يهم هنا انه جرى إطلاق مفهوم السلطة الفلسطينية على "ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي" ولاحقا استخدمت القيادة الفلسطينية المفهوم "دولة فلسطين" على اعتبار ان يحكمها الهدف المستقبلي ويضبط مسالكها الراهنة سياسية او غير ذلك كي لا تحيد عن تحقيقه.  
فما الذي فعلته قوى اليمين الفاشي القومي والديني هنا، لقد كرست كل ما تملك من نقاط قوة بما فيها المال والإعلام مستفيدة من الخلط بين المفاهيم لمهاجمة ومحاربة السلطة الفلسطينية ليس باعتبارها حركة فتح كما اوضحنا أعلاه، بل مهاجمة السلطة الفلسطينية كمشروع وطني، كمرحلة انتقالية، حكم ذاتي، مرحلة تسبق الاستقلال والسيادة. 
ارأيتم هول ما نحن فيه، أكثر من جيل تعرض لغسيل دماغ، بتعبئته بما يُشوِّه وعيه وتزوير ارادته لمهاجمة مشروعه ومنجزاته ومهاجمة أهدافه بالذهاب لدولة وطنية فلسطينية. أجيال من الشباب وخاصة بين الطلبة الجامعيين جعلوا من أنفسهم اعداء لأهدافهم الوطنية!! 
3- لاحظوا التلاعب في عقول الأجيال، احتيال القوى الفاشية قومية او دينية بإطلاقهم في فضائنا الموسيقى الهابطة عن ان منظمة التحرير او الشهيد ياسر عرفات او قولوا فتح حسبما شئتم، ذبح للغة، ذبح للمعلومة، عملية اعدام للحقيقة، بالقول أن القيادة الفلسطينية في اتفاق أوسلو تنازلت عن 78% من فلسطين. وأن القيادة اكتفت بما منح لها 22% من الاراضي؟! 
سامحوني على التعبير، أتوجد وغدنة أكثر من هذه؟ أو أي جهل! واي احتيال وتلاعب باللغة وبالمعلومة؟!
إنَّ كل من تخرق أذنه الموسيقى الهابطة من الشباب أن القيادة الفلسطينية تنازلت عن 78% من فلسطين سيثور غضبا بالطبع، خاصة وان كثر للأسف لا يفكرون، لا اكاديميين ولا سياسيين ولا نخب ثقافية، سقطوا جميعهم  في الاختبارات والتجارب التي عايشها شعبنا وآخرها تجربة السابع من أكتوبر (انتظروا ما سيكون مفاجئا لكم بشأنه)، ولا لوم عليهم، وكما أشرت في وقت سابق وأكرر أن قاعدة التعليم في بلادنا لا تنتج من يفكر او مفكرين، عشرات الألوف يتقدمون لامتحان التوجيهية كلَّ عام لنفحص ونختبر قدرتهم على ان يكونوا "سيديهات" تمشي على قدمين، لا نختبر قدراتهم على الفهم او الذكاء او التفكير، بل نختبر قدرتهم على الحفظ، أن يكونوا "سيديهات" جيدة وغير معطوبة، ويغادرون المدرسة للجامعة ويستديم نهجهم في الحفظ، والقلة بينهم من يتغير ويطوِّر نفسه لصالح ادراك كيف نفهم وكيف نعرف، أن يفكر؟.
ونذكّر هؤلاء بأن السلطة الفلسطينية انجاز وطني عظيم، ان أل (22%) انتزعناها انتزاعا من عدونا مستفيدين من النهوض الوطني أواخر الثمانينات، فلم تتكرم إسرائيل بمنحنا إياها، انه حق انتزعه شعبنا بكفاحه ونضاله، بالانتفاضة الشعبية العظيمة كتعبير عن أروع صور الكفاح السياسي السلمي الثوري من عدونا الذي لم يكن يعترف بنا كشعب ولا يعترف بحقوقنا الوطنية، ولا بحقنا في تقرير المصير، وهذا ما حصلنا عليه في اطار نضالنا وتداعيات توازن القوى المحلي والإقليمي والدولي والمفاوضات التي جرت في اطار مؤتمر مدريد او اتفاقية اوسلو.
يخرب بيت اللي خلفوكم، 78% من فلسطين محتلة منذ العام 1948، وتحت السيطرة الإسرائيلية وإسرائيل دولة عضو في الأمم المتحدة ولديها جيش يسبقنا على صعيد العسكرة بمئة سنة ضوئية، وللدولة سوق اقتصادي ودولة تتقدم على دول كبرى في مجال الأبحاث والدراسات، وال (22%) أي الضفة الغربية وقطاع غزة، تم احتلالهما العام 1967 وتخضع بالكامل للسيطرة الاسرائيلية، فيما نحن ننتقل من منفى الى منفى ومن دولة لأخرى نتوزع على اصقاع الأرض، يتحكم بنا كما يقول المثل الشعبي "اللي بيسوى واللي ما بيسوى"!.فهل كانت فلسطين تحت سيطرتنا وسيادتنا وتنازلت القيادة عنها خلال مفاوضات أوسلو ؟ ما هذا السخف؟ ومنذ متى كان المحتلون الإسرائيليون كرماء الى الحد أن يقدموا لمن هم تحت الاحتلال أي متر للسيادة عليه؟ علما بأن الصهاينة في اسرائيل حتى لحظة انعقاد مؤتمر مدريد لم يكونوا يعترفون بنا كشعب ولا بحقنا في تقرير المصير ولا حتى بمنظمة التحرير؟! هلقد صعبة أن يفهم البعض ان ال 22% أراض محتلة وتم انتزاعها من المحتلين انتزاعا وليس منحة أو كرما من المحتلين.
يا إلهي، هلقد صعب فهم ان ال 22% (النسبة طبعا تحتاج لتدقيق) هي مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلت عام 1967 وقوانين الشرعية الدولية جميعها نصت على إقامة دولة فلسطينية مستقلة الى جانب دولة إسرائيل في حدود الرابع من حزيران؟! وشعبنا في الانتفاضة الأولى بعلو الصوت طالب بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على  حدود الرابع من حزيران واستنادا الى ذلك صادق المجلس الوطني الفلسطيني في دورة الانتفاضة في الجزائر عام 1988 على ما أراده الشعب؟ فكيف يكون اتفاق أوسلو وياسر عرفات الذي انجزه خائنا ومنحرفا وتنازل عن ال 78% من فلسطين؟!!!!
  أي عقول هذه وأي فكر الذي يُشبِّه فلسطين بألمانيا والقيادة الفلسطينية بالقيادة الألمانية في الحرب العالمية الأولى، والمانيا دولة عظمى في حينه وبالقفز عن فزعتها للنمسا بحربها على المملكة الصربية شنت المانيا الحرب على بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وروسيا وبالنتيجة هزمت وانكسر جيشها فكانت معاهدة فرساي! حيث رضخت المانيا لشروط المنتصرين واقتطعت أجزاء من أراضيها وفرضت عليها شروط مهينة!
فهل كانت فلسطين ونحن لا نعرف دولة كبرى ومتحررة ومستقلة ولها اقتصادها وجيشها العظيم ورئيسها ياسر عرفات وحاربت إسرائيل او دول أخرى وتعرضت للهزيمة وفرضت عليها شروط مهينة كتلك التي فرضت على المانيا بموجب اتفاقية فرساي باقتطاع أراضيها وتوزيعها على المنتصرين والإبقاء على 22% فقط تحت سيادتها من أصل ما كانت تسيطر عليه 100%؟!! 
كفوا عن تضليل شعبنا وتشويه وعيه وتزوير ارادته مستفيدين من حقيقة ان نخبه الثقافية والسياسية لا تُشغِّلُ ما هو فوق اكتافها. 
تخيلوا مدى الاستخفاف بشعبنا وبعقلنا حين تصر قيادة حماس والجهاد الإسلامي وقيادة الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وطلعت لنا في السحبة المبادرة الوطنية وبعض الاميَّين في المكتب السياسي او اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني على القول أوسلو هو المسئول عن كل ما جرى ويجري في الأراضي المحتلة من مصادرات واستيطان وتهجير وجرائم ابادة وأعمال تدمير في تبرئة مفضوحة لقوى اليمين الفاشي القومي والديني على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، تبرئة لهما عن مسئوليتهما في فشل العملية السياسية واتفاق أوسلو تحديدا!

mat
Developed by: MONGID | Software House الحقوق محفوظة مفوضية الإعلام والثقافة © 2026