تمنيت لو أنني مت قبل أن أشاهد هذه الإعدامات.
نشر بتاريخ: 2025-10-15 الساعة: 01:32
جميل عبد النبي
كلنا طبعاً مع محاسبة البلطجية، واللصوص، والخارجين عن القانون، ولكن بالقانون فقط، أما الإعدامات الميدانية بدون محاكمة فهي جريمة بكل معنى الكلمة، وغرضها واضح وضوح الشمس" فشرد بهم من خلفهم"
أصبت اليوم باكتئاب شديد، وتمنيت لو أنني مت قبل أن أشاهد هذه الإعدامات.
لقد عايشت كل إفرازات الحرب، وأدرك خطورة تغول العائلات، وخطورة الفوضى، وغياب القانون، ولو خُيّرت بين الفوضى وحكم الشيطان لاخترت حكم الشيطان، لكني لا أؤمن بأن هذه هي الطريقة المثلى لعلاج الفوضى، فالقتل بدون محاكمة سيضاعف من حجم الأحقاد، كما أنه قد يخلق حالة من الضبط الظاهري تحت وطأة السلااح، لكنه لا يعالج جذور المشكلة، لذا تجد الفوضى، والبلطجة تعيد إنتاج نفسها بمجرد ضعف وطأة السلاح، وهذا ما حدث خلال سنتي الحرب، حيث لم تُعالَج مسألة الأخلاق السيئة علاجاً أخلاقياً، إنما تم قمعها بالحديد والنار، وما أن ضعفت سطوة الحديد والنار بسبب الحرب حتى طفت الأخلاق السيئة على السطح.
نحن مع المحاسبة، ولكن بالقانون، وبالقانون فقط، ما دون ذلك لن نفعل سوى دفن رؤوسنا في التراب تجنباً لمواجهة حقيقة بقاء الأخلاق السيئة.
الحديد والنار علاج سريع، لكنه ليس جذرياً، أما العلاج الأخلاقي فيحتاج إلى جهد، لكنه يذهب في اتجاه الجذور، وليس ظواهر المشكلة.
لطالما قلت أن خطاب حماا س الذي كان مستفزاً لنا طوال الحرب لم يكن موجهاً لنا، إنما للشعوب العربية المغيبة عن حقيقة واقع غزة، ونتاجات الحرب، وأظن أن حماا س كانت تعرف أن خطابها يستفزنا كغزيين طحنتنا الحرب، لكن ذلك لم يكن يعنيها، فهي ليست معنية برضانا، فنحن إن صح التعبير تحصيل حاصل، ستكتم أنفاسنا بأحذية عسكرها، لذا قبولنا أو رفضنا لخطابها ليس ذا شأن، إنما الأهم هو مواصلة تضليل الشعوب العربية التي كان ينعشها سماع أخبار صمودنا، فلا تلتفت إلى دمائنا، بل تدين حرصنا على تجنب الموت المجاني، وتعتبره خيانة، فالغزي خلق ليموت، أما الحياة فليست له، لذا كانت حماا س تُسمعه ما يحب سماعه، لأنها لا تملك سلطة قمعه، ولا بد لها من استرضائه، أما نحن في غزة فإن رضينا أو ام نرض فليس هذا هو المهم، فهي إن ضمنت بقاءها في الحكم ستعرف كيف تكتم أنفاسنا.