facebookراديو موطنيقناة عودةفتح ميدياالقدساللاجئينالاسرى

وقفة حق .. سنة الذكريات/ بقلم: البطريرك ميشيل صباح

نشر بتاريخ: 2017-03-20

في فلسطين اليوم صوم. هو زمن صوم للمسيحيين. والصوم هو توبة إلى الله. توبة الإنسان عن الشرّ الذي يجرده من إنسانيته. ونحن في فلسطين وإسرائيل، في حالة حرب، أي في حالة "لا إنسانية". في قديم الزمن، يروي الكتاب المقدس قصة النبي يونان الذي أرسله الله إلى أهل نينوى، - وهي ما زالت قائمة حتى اليوم وهي أيضًا اليوم محاطة بلاإنسانية الإنسان-، ارسل الله النبي يونان إلى أهل نينوى التي كانت مدينة وثنية. وسمعت المدينة الوثنية صوت النبي، فتابت وصامت، فتاب الله عليها وعفا عنها ورحمها برحمته. وأعادها مدينة فيها إنسان يعرف الخير والصلاح.

في فلسطين وإسرائيل اليوم نحن في حالة نينوى. لسنا في حالة الوثنية، بل كلنا مؤمنون بالله، مسيحيون ومسلمون ويهود. ولكننا في حالة حرب، وحالة الحرب تعني أننا خرجنا أو أُخرِجْنا من إنسانيتنا، والخارج عن إنسانيته لا يمكن أن يقول إنه مؤمن بالله.

في فلسطين، الإنسان يقتل. والبيوت تدمر. وفي القدس يبدَّل الفلسطيني بالإسرائيلي، بكلّ طريقة، بالعقاب أو بالمال. وحتى منازل البدو وقراهم تهدم في النقب أو في شرقي القدس. وتُسنّ القوانين لمنع كل صوت خير، لمنع كل الدفاع عن الخير في وجه هذه المظالم.

نحن بحاجة إلى أنبياء. إلى يونان النبي يصرخ في طول الأرض وعرضها أن توبوا، أن سنوا القوانين العادلة، أن كفوا عن قتل الإنسان، وعن تدمير البيوت، وعن تبديل سكان القدس وعن ترحيل البدو من منازلهم.

في الواقع أصوات كثيرة ترتفع، مستقيمون كثيرون يوجدون في الشعب الإسرائيلي وفي فلسطين. وأصوات كثيرة ترتفع مثل صوت الأنبياء أن صوموا، عودوا إلى إنسانيتكم، لتعودوا إلى الله، ولتجدوا ذاتكم وأمنكم والسلام والعدل والطمأنينة.

الأنبياء هي الضمائر الحيّة في كل شعب. في فلسطين أرض المظالم، وفي إسرائيل المؤمنة أن الحالة الطبيعية بين الشعبين هي حالة الحرب. ولكن حالة الحرب ليست الحالة الطبيعية. بل هي حالة تنقض طبيعة الإنسان الإسرائيلي والفلسطيني على السواء.

النبي أشعيا يقول: "امتلأت أرضه فضة وذهبا فلا حد لكنوزه، وقد امتلأت أرضه خيلا فلا حد لمركباته. وامتلأت أرضه أوثانًا فيسجدون لمصنوعات أيديهم" (أشعيا 1: 7-8). هذا هو الحال اليوم، مال وخيول ومركبات حرب، والإيمان بالله صار إيمانًا بوثن الحرب. وهذه هي التوبة المطلوبة في زمن الصوم، التوبة عن المال فلا يكون مالًا ظالما، والتوبة عن رؤية الحرب حالة طبيعية، فلا يتيه الإنسان فيها، فيفقد فيها رؤية ربه، ويصبح عابدًا للحرب. نحن بحاجة إلى أنبياء. إلى أناس أصحاب ضمير حي، يرون الله، ويرون الإنسان، ويعرفون أن الحرب وضع غير طبيعي ولا يليق بالإنسان، مهما أثبت تاريخ البشرية أن الحرب وجدت في كل العصور والأجيال. مع ذلك كله، الحروب ضد طبيعة الإنسان، وهي تجرد الإنسان من إنسانيته. الوضع الطبيعي للإنسان هو وضع السلام الذي خلقه فيه الله.

المؤمنون في كل دين، هم الذين يرون في الدين علاقة مع الله سبحانه، علاقة سجود وعبادة وإجلال، وعلاقة مع الإنسان خليقة الله، علاقة احترام ومودة. المؤمن المؤمن يتعامل مع الإنسان وهو واع كل الوعي أنه يتعامل مع خالق الإنسان. الإنسان لله، سواء أسأنا إلى الإنسان أم أحسنّا إليه. لهذا قال السيد المسيح: "كُلَّمَا صَنَعْتُم شَيئًا مِن ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِن إِخوَتِي هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ فَلِي قَد صَنَعْتُمُوه" (متى 25: 40).

وللدين مع الأسف مكانة في الحالة غير الطبيعية وغير الإنسانية التي نعيشها في فلسطين، في ظلم الاحتلال، واعتكار الحياة اليومية، والقتل اليومي والأسرى وتعذيبهم. والدين له مكانة في إسرائيل أيضا المثبتة الاحتلال والحواجز وحالة الموت التي نحن فيها. ولكن الدين يقول لجميعنا إن الله يدعو جميعنا إلى الحياة وإلى المودة. الله يقول للإنسان الذي خلقه: خلقتك للمحبة والرحمة، لا لتكون مثل قائين بل مثل هابيل المرضي أمام الله.

نحن في زمن صوم. هو للمسيحيين، ولكن الأرض كلها بحاجة إلى صوم، إلى توبة إلى ذاتها، إلى توبة الإنسان الإسرائيلي إلى ذاته لكي يلتقي الفلسطيني إنسانًا، يلتقيان معًا، إنسانًا مع إنسان، فيثبّتان العدل والسلام، ويضعان حدًّا لوضع غير طبيعي نعيش فيه، وغير إنساني، فيبدِّلانه بالوضع الطبيعي الذي يليق بالإنسان. ونحن قادرون على ذلك. كل منا قادر على أن يكون إنسانا. وهذه هي دعوة أرضنا، أرضا مقدسة "مسكنا لله وللناس"، لكل الناس، لكل أهلها، لا لبعض أهلها، لا لتبديل الفلسطيني بالإسرائيلي، لا لترحيل البدو عن منازلهم، ولا لتدمير بيوت الفلسطينيين، بل لتثبيت كلّ إنسان في كرامته ومن ثم في أمنه وطمأنينته. طالت بنا الحال. هذا العام هو عام الذكريات، وعد بلفور عام 1917- مئة سنة. وحرب عام 1948 وحرب عام 1967. كلها ذكريات تطرح على الإنسان الإسرائيلي الخيار: الاستمرار في إزالة الفلسطيني أم الحياة معه في أمن وأمان، وفي كرامة متساوية؟ ونحن قادرون على العيش في أمن وأمان، وفي كرامة متساوية. في عام الذكريات تصحَّح الذكريات. كانت ذكريات حرب، ونحن قادرون على تحويلها إلى ذكريات سلام وعدل ومساواة في الكرامة والإنسانية.
mow
Developed by جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية الإعلام والثقافة © 2017
اسماعيل: لن نسمح لحماس بسرقة غزة من الشرعية الوطنية وشطب اسم ياسر عرفات اجراء مخزيالفتياني: ياسر عرفات صنع لنا هوية وطنية واسمه يشع في ذاكرة شعبنا وألأحرار في العالمالقدوة: القدس حاضرة على جدول أعمال ندوة في باريستيمور وليد كمال جنبلاط. . نحن آسفون! - موفق مطرالاحتلال يعتقل 14 مواطنا بينهم نائب وصحفي