facebookراديو موطنيقناة عودةفتح ميدياالقدساللاجئينالاسرى

فلسطين وتحديات المرحلة المقبلة- نادية حجاب

نشر بتاريخ: 2017-05-17

يعمل اليمين الإسرائيلي والحركة الاستيطانية منذ عقود على تعزيز نفوذهم داخل إسرائيل عبر اختراقهم للجيش وللنظام السياسي والسلطة القضائية. ويأتي مشروع "قانون االتسوية" لذي قدمه حزب "البيت اليهودي" اليميني الذي ينتمي إليه الوزير "نفتالي بينيت" في بداية هذا العام بهدف "تسوية وضع" البؤر الاستيطانية غير القانونية مثل مستوطنة عمونا المبنية على أراضٍ فلسطينية مملوكة ملكيةً خاصة، ليبعث برسالة واضحة بشأن مَن يملك أرض فلسطين ومَن لديه السلطة الحقيقية في إسرائيل.

ويؤكد تحرك اليمين الإسرائيلي الأخير من أجل شرّعنة البؤر الاستيطانية أنه ما من سبيل أحادي الجانب لتأمين الاعتراف الدولي بوضع المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة، بالرغم من النفوذ الطاغي لليمين، فالحركة الاستيطانية تنشط لتهويد الضفة الغربية والقدس ولم تعد ترغب في بقائها في ضبابية سيناريو حل الدولتين.

وأعلنت هذه الحركة صراحة عن رغبتها بالضم الرسمي لِما تبقى من الأرض الفلسطينية المحتلة، بعد أن ضمت إسرائيل بالفعل القدسَ دون وجه قانوني، أو على الأقل المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، فالزعيم اليميني الإسرائيلي ووزير التعليم، نفتالي بينيت، أعلن مبتهجًا بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأن "عصر الدولة الفلسطينية انتهى".

لكن وبالرغم من كل المحاولات الإسرائيلية للاستيلاء على الأرض الفلسطينية الا انها لم تنجح في محو الخط الأخضر وشرعنة حيازتها الدائمة للأرض الفلسطينية المحتلة، فالخط الأخضر (خط الهدنة عند انتهاء القتال بين الجيوش العربية والجيش الإسرائيلي عام 1949)، هو الأساس في امتناع المجتمع الدولي حتى الآن عن إضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي، لأن هذا الخط يفصل، ما يعتبره المجتمع الدولي، دولة إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها في عام1967 وأفعالها غير المشروعة فيها من احتلال واستيطان وانتهاكات لحقوق الشعب الفلسطيني، فالمجتمع الدولي لا زال يرفض الاعتراف بالضم الإسرائيلي الرسمي للقدس الشرقية وبمطالب إسرائيل أحادية الجانب في القدس الغربية، وما زال مؤيدأً لمبدأ اعتبار القدس كيانا منفصلا في إطار خطة التقسيم لعام 1947 وبانه ولا يمكن الاتفاق على وضعها إلا من خلال المفاوضات.

وفي حين أن المجتمع الدولي لم يحاسب إسرائيل بجدية على الانتهاكات التي ارتكبتها وترتكبها على الأرض الفلسطينية وبحق الفلسطينيين، الا انه لم يصادق على مشروع إسرائيل الاستعماري ولم يشرعنه أمام العالم، فالانتصار الاولي الذي حققته الحركة الصهيونية في إقامة دولة على أرض فلسطين، لا تستطيع إسرائيل أن تكرره، وتوسيع حدود تلك الدولة إلى ما وراء المنصوص عليه في خطة (قرار) التقسيم لعام 1947، التي وُجدت إسرائيل على أساسها، أمراً يصعب تحقيقه. فهذا القرن هو الزمن الخطأ لهذا المشروع الاستعماري، ووحدها منظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني تستطيع ان تتصدى لاي تغيير في وضع المستوطنات بشكل لا يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ ببعض "غنائمها". فقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي صدر في نهاية العام الماضي، يؤكد على عدم شرعية المستوطنات ووجوب تطبيق القانون الدولي، بما في ذلك القوانين التي تحكم الاحتلال العسكري، على الأراضي المحتلة، ولهذا جاء رد إسرائيل على القرار 2334 غاضبًا جدًا، كونها تلقت ضربةً كبرى في عدم قدرتها على محو الخط الأخضر.

إن الدفاع عن الخط الأخضر امام المخططات الإسرائيلية الاستيطانية سيكون مهماً في هذا الوقت ، فالطابع غير القانوني لأنشطة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة يتيح استمرارية قدرة الفلسطينيين على ملاحقة إسرائيل والمسؤولين الإسرائيليين في المحاكم الدولية والوطنية، وهو عنصرٌ مهمٌ أيضًا في تعزيز جهود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي أسَّسها ويقودها المجتمع المدني الفلسطيني. فحثَّ الفلسطينيين على عدم التخلي عن الخط الأخضر لا يعني فقط دعمَ المُخرَج السياسي المتمثل في حل الدولتين، بل هو سند من أجل استخدام جميع مصادر القوة والنفوذ المتاحة دون التخلي عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

إن من الأهمية بمكان طرح هذه المستند في الوقت الحاضر لأن أصواتًا متزايدة في أوساط الفلسطينيين وفي حركة التضامن مع فلسطين تدعو إلى تحويل الهدف السياسي الفلسطيني من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة، أو النضال من أجل الحقوق المدنية. ومن المرجح أن تزداد هذه الأصوات قوةً مع اقتراب الذكرى الخمسين للاحتلال في حزيران/يونيو المقبل، كون الفلسطينيين في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة مازالوا يواجهون أشرس التهديدات الإسرائيلية لوجودهم على أرضهم منذ بدء الاحتلال، ويعانون من انتهاكاتٍ يوميةً لحقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والحركة والصحة والحصول على المياه وغيرها، أمّا اللاجئون منهم والمنفيون فقد تركوا في الغالب ليواجهوا مصيرهم. وعمومًا، يحُول الركود في الجسم السياسي الفلسطيني دون تبلور عمل فلسطيني جماعي فعال.

إن من الطبيعي لشعبٍ يسعى لإدراك حقوقه الإنسانية والقومية أن ينشد الوضوح والتوافق على الهدف السياسي النهائي. ويضعف الانقسام المتنامي بين المدافعين عن الدولة الواحدة أو النضال من أجل الحقوق المدنية، (ومنهم كثيرون من الناشطين الفلسطينيين ومؤيديهم من القاعدة الشعبية)، وبين المدافعين عن حل الدولتين، (ومنهم كثيرون من المسؤولين الفلسطينيين ورجال الأعمال والصهاينة الليبراليين)، يضعف القدرة الفلسطينية على الالتفاف حول تحرك جماعي. لقد كان الاتفاق ممكنًا على الدولة الواحدة في الفترة ما بين 1969-1974 حين كان برنامج منظمة التحرير الفلسطينية يستند إلى إقامة دولة ديمقراطية علمانية، وكان ممكنًا أيضًا حل الدولتين في الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال الفلسطيني في 1988، والاعتراف اللاحق بإسرائيل، ولغاية أواخر عقد التسعينات وفشل عملية أوسلو.

ولا يملك الفلسطينيون في الوقت الحاضر القدرةَ على تحقيق هدفٍ سياسي نهائي في المستقبل المنظور، فالاتفاق في الجسم السياسي الفلسطيني على الهدف النهائي غير ممكن في هذه المرحلة للأسف، ولكن لا ينبغي لهذا الواقع أن يثنيهم عن العمل من أجل تحقيق مكاسب مؤقتة، دون المساس بالحقوق الأساسية، وهذا هو موقف حركة المقاطعة، فهي حركة مبنية على الحقوق لا "على الحل." فحين لا تتبنى الحركة هدفًا سياسيًا نهائيًا، تستطيع أن تستقطبَ أكبر عدد من الفلسطينيين والمتضامنين، وتُمكِّن كلَّ واحدٍ منهم من العمل في مجاله وبطريقته من أجل تحدي الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق.

قد تستنفد مسألةُ الهدف النهائي هذا جهودًا وطاقات كبيرة من الأجدر بذلها في وضع استراتيجيات محددة لتحميل إسرائيل تكلفة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات الحقوق، ويمكن لهذه الاستراتيجيات أن تتبنى النهجَ القائم على الحقوق في التواصل مع المجتمع المدني، أو النهجَ القائم على الحل في التواصل مع الحكومات والشركات. وهذان النهجان لا ينفيان حلَّ الدولتين، (إسرائيل وفلسطين)، كمُخرَج سياسي نهائي، يتمتع فيهما المواطنون كافة بحقوقهم الإنسانية، ولا ينفيان ايضاً حلَّ الدولة الفلسطينية-الإسرائيلية الواحدة التي يتمتع فيها الجميع بحقوقهم كاملةً.

ولكن إحدى المخاطر الرئيسية الحالية تتمثل في رغبة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، وبحسب ما صرح به اثناء لقائه الأخير برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في البحث عن تقدم لعملية السلام في الشرق الاوسط وإبرام "اتفاق" سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولكن أي اتفاق يمكن التوصل اليه في ظل نهج الإدارة الأمريكية المنحاز بشدة للإسرائيليين والذي تجلى بوضوح بعد تعيين ديفيد فريدمان "المناصر للاستيطان" سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل، وتعهدات ترامب بنقل السفارة الاميركية الى القدس، وخطاب "نيكي هالي،" السفيرة الاميركية في الامم المتحدة، المتوعد والمنحاز لإسرائيل أواخر شهر آذار/مارس امام "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (ايباك) وتصريحها بان أيام انتقاد إسرائيل في الامم المتحدة قد انتهت.

ويكمن التحدي الحالي في التفكير في السُبل التي تستطيع بها منظمة التحرير الفلسطينية أن تصمدَ أمام هذا الضغط، وماهية الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها، بحيث لا تظهر بمظهر "الرافض"، ولا تنهار تحت الضغوط، بما فيه الضغط الذي قد يمارسه ترامب على الفلسطينيين لتقديم المزيد من التنازلات، وان تتمكن من ممارسة ضغوطٍ مضادة.

قد لا يوجد منطق في التخلي عن أي مصدرٍ من مصادر القوة والنفوذ المتاحة، كالخط الأخضر، لوقف الأفعال الإسرائيلية غير القانونية وتعزيز الحقوق الفلسطينية، أمّا المسائل الأكثر إلحاحًا فتتمحور حول سُبل تجنب المزالق القادمة في المفاوضات تحت إدارة ترامب، بموازاة استغلال هدف إسرائيل ضدها بعد أن تكشفت نواياها الحقيقية بخصوص الأرض الفلسطينية المحتلة بما لا يسمح لأحد بغض الطرف.

لقد دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في جبهات يجري التوسع فيها حاليًا بفاعلية أكبر، مثل عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، ومشاركتها في مجلس حقوق الإنسان، بما في ذلك في استصدار قرار من المجلس بإنشاء قاعدة بيانات تضم جميع الشركات المنخرطة في أنشطة غير قانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتستطيع منظماتُ حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعمل مباشرةً مع المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان وغيرهما من المؤسسات الدولية الأخرى أن تستخدم هذه المداخلَ أيضاً بالتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، فقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334، ورغم عيوبه الاخرى، يمكن تصنيفه كنصرٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومع أن هناك قرارات مشابهة أخرى، فإن تأكيده في الوقت الحاضر جاء كإنذار لإسرائيل من أنها ستواجه معركةً شرسة إذا حاولت إضفاء الطابع الرسمي على استحواذها غير القانوني على الأرض بالقوة، فضلًا على أن هذا القرار تفوَّق على النصوص الأممية السابقة حين دعا "جميع الدول" إلى "التمييز في تعاملاتها" بين الأرض الإسرائيلية والأراضي التي احتلتها في العام 1967.

إن انعدام التقدم الحاسم على صعيد إعمال الحقوق في المستقبل المنظور، يجعل الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال والحصار الإسرائيلي والفلسطينيين المواطنين في إسرائيل واللاجئين الفلسطينيين في مواجهة أوقات قاتمة. ومع ذلك، ثمة أسباب تدعو للأمل، بما فيها قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على الصمود والأبواب التي فتحتها منظمة التحرير الفلسطينية في المحكمة الجنائية الدولية وفي مجالات أخرى.

إن تسرُّع اليمين الإسرائيلي في الاستيلاء على السلطة في إسرائيل واستكمال ضم فلسطين وسياسة الاستيطان التي يتبعها والتي تنتهك القانون الدولي، سيفرض تحديات كبيرة امام المجتمع المدني للعمل، وهذا الوقت الذي يحشد الفلسطينيين معركتهم لدعم ومناصرة الاسرى في اضرابهم المفتوح عن الطعام في سجون الاحتلال، هو وقت الصمود، والدفاع عن المكاسب، واستغلال الفرص، والحذر من التنازلات، وهذا هو وقت التمسك بذاك الخط الأخضر.

------------------------------------------

* نادية حجاب- المديرة العامة لشبكة السياسات الفلسطينية- باحثة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية

*تستند هذه المقالة الى تحليل سياساتي نشر على موقع الشبكة الالكتروني تحت عنوان "لا تتخلوا عن الخط الأخضر: نقطة ضعف إسرائيل"
mow
Developed by جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية الإعلام والثقافة © 2017
أبو ردينه تعقيبا على تصريحات نتنياهو: القدس عاصمة فلسطين إلى الأبد محمد اشتية يدعو لطرح إضراب الأسرى في مجلس الأمن انتقد "التسهيلات الاقتصادية" واعتبرها إجراءات هزيلةنقل 40 أسيرا مضربا من معتقل "أوهليكدار" إلى المستشفياتالاحتلال يعتقل خمسة مواطنين من الخليلعصابات "تدفيع الثمن" تهاجم مسقط رأس عميد الأسرى كريم يونس وتحرق سيارتين