facebookراديو موطنيقناة عودةفتح ميدياالقدساللاجئينالاسرى

امرأة ناقصة ورجل كامل- سما حسن

نشر بتاريخ: 2017-03-09

في قسم الطوارئ بأحد المشافي الحكومية في قطاع غزة، وفي وقت متأخر من الليل التقيتها، كنت وصلت المستشفى برفقة صغيرتي التي داهمها مغص حاد، فيما وصلت هي في هذا الوقت بسبب نوبة من نوبات المغص الكلوي التي أصبحت تداهمها باستمرار بسبب تأخرها في العلاج، حسبما أخبرتني بعد ذلك.
من الطبيعي أن يمتد الحديث في آخر الليل بين المريضات القابعات بين أنين وألم فوق الأسرَّة البيضاء، ولأن سريرها كان ملاصقاً لسرير الصغيرة حيث أشار الطبيب المناوب إلى ضرورة احتجازها حتى الصباح، وبعد أن أجرى معها تحقيقاً حول آخر ما تناولته من طعام بحيث أصيبت بهذا المغص الحاد والذي استوجب أن أحملها إلى هنا، وهكذا بدأ الحديث بيننا، فقد جاءت برفقة شقيقتها التي وفدت لزيارتها من مدينة أخرى فصحبتها إلى المشفى فيما تركت زوجها في البيت لكيلا تزعج نومه العميق، واستغربت أنها قد خرجت في هذا الوقت المتأخر سيراً على قدميها وهي تتلوى من الألم، ولم تشأ أن توقظ زوجها، وعرفت منها أنها تسكن في منطقة عشوائية نائية حيث لا عمران ولا وسائل اتصال، وكنت لاحظت أنه لا هاتف نقالاً بين يديها.
هذه المرأة التي تبلغ الأربعين من عمرها كان يبدو عليها شظف العيش الذي لا تخطئه العين، ولكنها كانت نظيفة ومرتبة رغم ذلك، لاحظت وأنا أتأملها أنها تعتني بكل شيء في مظهرها، رغم وضعها الاقتصادي السيئ، فزوجها بلا عمل منذ سنوات، ومصدر دخل عائلتها الوحيد المكونة من خمسة أبناء أكبرهم تركت الجامعة وأصغرهم في الخامسة من عمره، هو ما تحصل عليه العائلة من مخصصات مالية بسيطة تصرفها لهم وزارة الشئون الاجتماعية كل ثلاثة أشهر، وبدأت تصف لي ما تفعله لكي تؤمن حياة مستورة لعائلتها، فهي تطبخ على الحطب، وترسل أطفالها لجمع الحطب من الأحراش القريبة والتي كانت تقام فوقها مغتصبات صهيونية، وبعد أن رحل المغتصبون عنها، أصبحت هذه الأشجار الكثيفة مصدراً للحطب لها ولغيرها من العائلات الفقيرة التي لا تملك ثمن تعبئة أنبوبة غاز الطبخ، وتحدثت عن أنها قد اعتادت طبخ الطعام دون لحم أو دجاج، وبأنها تقضي الأمسيات وهي ترتق ملابس أولادها، وترتق ملابس الصغار من أولاد الجيران مقابل عدة شواكل، أما ابنتها الكبرى فهي تركت الجامعة كما أسلفنا لأنها لم تستطع أن توفر لها مصروفات الجامعة.
قالت لي وهي تلتقي بي لأول مرة: إنها تحتمل كل شيء لأنها "بنت أصول" ولكنها لا تحتمل تلميحات زوجها العاطل عن العمل منذ سنوات، والذي لا يفعل شيئاً سوى التدخين ونفث الدخان الغاضب في وجهها ووجه الأولاد، فهو يشعرها في كل لحظة بأنها امرأة ناقصة، وبأن عليها أن تحمد الله ليل نهار لأنه يقبل بها على هذا الوضع، فرفعت حاجبي في دهشة لأن هذا التعبير "امرأة ناقصة" جعل الفضول يعربد في قلبي كفأر صغير يلهو في كيس من الدقيق، فقالت قبل أن أسألها: أجريت قبل أربع سنوات عملية استئصال الرحم بسبب ورم ليفي أصابه، وأجمع الأطباء على ضرورة استئصال الرحم لإنقاذ حياتي، وهكذا بدأ زوجي يلوح لي بأنني امرأة ناقصة، وبأنه كان يتمنى أن ينجب المزيد من الأطفال لكي يكونوا عزوة له أسوة بباقي إخوته، رغم أننا لا نجد قوت يومنا بسهولة، ولكنه يردف في كل مرة يعيرني فيها بما أصابني بأن "الولد يأتي رزقه معه".
نظرت بشفقة لها وأدركت كم تعاني هذه المرأة والتي تجاهد لكي "تملأ عين" زوجها كما تفعل كل النساء المقهورات والمبتليات بأزواج جاحدين، وكيف تعتني بأناقتها المتواضعة، وتهتم بتزيين وجهها بمكياج رخيص، وتشذب حاجبيها كما تفعل الفنانات على الشاشة، وضحكت وأنا أقول لها لأخفف عنها: ألا يرى أنك تسايرين الموضة وما زلت شابة نضرة؟ فأجابت في ألم وحسرة: هو لا يرى أي شيء، لا يرى تعبي وتضحياتي وجهودي لكي يسير مركب الحياة، إنه يعرف شيئاً واحداً هو أنني فقدت المخزن الداخلي وهو يراه سر الأنوثة، وكنز المرأة، وأنني دونه امرأة ناقصة، أما هو فلا ينقصه شيء لا بطالته ولا فقره ولا عصبيته ولا اقتراضه ثمن السجائر من محل البقالة الصغير القريب من بيتنا الصفيحي. كل هذا لا يراه، فهو في النهاية الرجل الذي لا يعيبه شيء، ويكفي أن أمه قد حفظته مثلاً شعبياً قديماً يردده أيضاً على مسامعي لكي "يسم بدني" وهو أن "الرجل رحمة ولو كان فحمة".......
mow
Developed by جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية الإعلام والثقافة © 2017
"فتح" تدين المخطط الارهابي الذي كان سيستهدف الحرم المكي في السعوديةالرئيس يدين العمل الإرهابي الذي كان يستهدف المسجد الحرامالاحتلال يعتقل الشاب محمد عويضة شرق بيت لحماصابات بالاختناق واعتقال شاب خلال مواجهات مع الاحتلال في مخيم جنينقوات الاحتلال تعتقل أربعة مواطنين من الضفة بينهم محرر استهداف الأجهزة الأمنية في خطة (نتنياهو) -موفق مطرأبو ردينة: لقاء الرئيس مع مبعوثي ترامب ناقش كافة القضايا بشكل واضح ودقيقفي مقابلة مع "الحياة الجديدة" : ليس لدينا تنجيح في الثانوية العامة"عريقات: بناء مستوطنة عمونا تحدٍ سافر للقانون الدولي وللمجتمع الدولي